فصل: أما الْأَحَادِيث:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.باب اخْتِلَاف الْمُتَبَايعين:

ذكر فِيهِ حَدِيثا وَاحِدًا وَهُوَ:
حَدِيث ابْن مَسْعُود رَضي اللهُ عَنهُ أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ فَالْقَوْل قَول البَائِع والمبتاع بِالْخِيَارِ».
هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق عَن عبد الله بن مَسْعُود رَضي اللهُ عَنهُ: أَحدهَا: عَن عبد الْملك بن عُمَيْر قَالَ: حضرت أَبَا عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود وَأَتَاهُ رجلَانِ تبَايعا سلْعَة فَقَالَ هَذَا: أخذت بِكَذَا وَكَذَا. وَقَالَ هَذَا بِعْت بِكَذَا وَكَذَا فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أُتِي عبد الله بن مَسْعُود فِي مثل هَذَا فَقَالَ: «حضرت النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مثل هَذَا فَأمر بالبائع أَن يسْتَحْلف، ثمَّ يُخَيّر الْمُبْتَاع إِن شَاءَ أَخذ وَإِن شَاءَ ترك» رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن سعيد بن سَالم وَالْإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده عَن الشَّافِعِي عَن سعيد بن سَالم عَن ابْن جريج أَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة أخبرهُ عَن عبد الْملك بِهِ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنهمَا كَذَلِك، وَهُوَ ضَعِيف لأجل انْقِطَاعه فَإِن أَبَا عُبَيْدَة لم يدْرك أَبَاهُ. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته: حَدِيث أبي عُبَيْدَة هَذَا إِن كَانَ سعيد بن سَالم حفظ عبد الْملك بن عُمَيْر فِي إِسْنَاده فَهُوَ جيد لَا بَأْس بِهِ إِلَّا أَنه مُرْسل. أَبُو عُبَيْدَة لم يسمع من أَبِيه، وَفِي علل الدَّارَقُطْنِيّ قيل لَهُ سَماع أبي عُبَيْدَة عَن أَبِيه صَحِيح؟ قَالَ: مُخْتَلف فِيهِ. قَالَ: وَالصَّحِيح عِنْدِي أَنه لم يسمع مِنْهُ، وَلكنه كَانَ صَغِيرا بَين يَدَيْهِ وخَالفه الْحَاكِم فَأخْرج هَذِه الطَّرِيقَة فِي مُسْتَدْركه وَقَالَ: إِنَّه حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، وَفِيه النّظر الْمَذْكُور. وَكَذَا ابْن السكن فَإِنَّهُ أخرجه فِي صحاحه، ثمَّ اعْلَم أَنه وَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عبد الْملك بن عبيد وَفِي الدَّارَقُطْنِيّ من غير طَرِيق الشَّافِعِي: أبي عُبَيْدَة. وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد بعد أَن ذكر الحَدِيث من طَرِيق هِشَام عَن ابْن جريج عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر وَقَالَ أبي: قَالَ حجاج الْأَعْوَر: عبد الْملك بن عُبَيْدَة. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة: هُوَ الصَّوَاب. قَالَ: وَقد رَوَاهُ يَحْيَى بن سليم عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر كَمَا قَالَ سعيد بن سَالم، وَرِوَايَة هِشَام بن يُوسُف وحجاج عَن ابْن جريج أصح. كَذَا قَالَ، وَالَّذِي فِي رِوَايَة حجاج مُخَالف لرِوَايَة هِشَام كَمَا ذكره هُوَ فَإِن رِوَايَة حجاج: عبد الْملك بن عُبَيْدَة كَمَا مر، وَرِوَايَة هِشَام: عبد الْملك بن عُمَيْر وَظَاهر كَلَام البُخَارِيّ فِي تَارِيخه أَنه عبد الْملك بن عبيد فَإِنَّهُ قَالَ عبد الْملك بن عبيد عَن بعض ولد عبد الله بن مَسْعُود، رَوَى عَنهُ إِسْمَاعِيل بن أُميَّة، مُرْسل، وَذكر بعده عبد الْملك بن عُمَيْر الْكُوفِي سمع عبد الله وَرَأَى الْمُغيرَة وَعنهُ الثَّوْريّ وَشعْبَة.
الطَّرِيق الثَّانِي: عَن عبد الْملك بن عُمَيْر أَيْضا عَن بعض بني عبد الله بن مَسْعُود عَن عبد الله بن مَسْعُود مَرْفُوعا: «إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ وَلَيْسَ بَينهمَا شَاهد- وَفِي لفظ بَيِّنَة- اسْتحْلف البَائِع، ثمَّ كَانَ الْمُبْتَاع بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أَخذ وَإِن شَاءَ ترك» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث يَحْيَى بن سليم عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن عبد الْملك بِهِ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث سعيد بن مسلمة عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن عبد الْملك بن عُبَيْدَة عَن ابْن لعبد الله بن مَسْعُود عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا «إِذا اخْتلف البيعان وَلَا شَهَادَة بَينهمَا اسْتحْلف البَائِع...» إِلَى آخِره، وَبَعض بني عبد الله لَا يدْرِي من هُوَ.
الطَّرِيق الثَّالِث: عَن عون بن عبد الله بن مَسْعُود عَن أَبِيه مَرْفُوعا: «إِذا اخْتلف البيعان..» الحَدِيث بِلَفْظ الرَّافِعِيّ سَوَاء، رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْمُخْتَصر فَقَالَ: أبنا سُفْيَان عَن مُحَمَّد بن عجلَان عَن عون فَذكره، وَذكره فِي الْأُم بِغَيْر إِسْنَاد وَقَالَ: هَذَا حَدِيث مَقْطُوع عَن ابْن مَسْعُود. وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ لِأَن عونًا لم يدْرك ابْن مَسْعُود كَمَا قَالَه التِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جامعه كَذَلِك.
الطَّرِيق الرَّابِع: عَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن جده مَرْفُوعا: «إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ اسْتحْلف البَائِع وكَانَ الْمُبْتَاع بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أَخذ وَإِن شَاءَ ترك» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، عَن مُوسَى بن عقبَة، عَن ابْن أبي لَيْلَى، عَن الْقَاسِم بِهِ، وَفِي رِوَايَة لَهُ «إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ فِي البيع، والسلعة كَمَا هِيَ لم تستهلك، فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع، أَو يترادان البيع» وَهَذَا ضَعِيف، إِسْمَاعِيل فِيهِ مقَال لاسيما إِذا رَوَى عَن أهل الْحجاز، وَابْن أبي لَيْلَى قد عرفت حَاله فِي ضَبطه وَأَنه بِسَبَبِهِ. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَمَعْنى الحَدِيث أَن الْمُبْتَاع بِالْخِيَارِ بَين إِمْسَاكه بِمَا حلف عَلَيْهِ البَائِع وَبَين أَن يحلف عَلَى مَا يَقُوله انْتَهَى. وَقد عرفت فِي هَذِه الطّرق تَفْسِير الْخِيَار بِالْأَخْذِ أَو بِالتّرْكِ، قَالَ الرَّافِعِيّ: وَفِي رِوَايَة أُخْرَى فِي هَذَا الحَدِيث: «إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ تحَالفا». قلت: هَذِه رِوَايَة غَرِيبَة عَلَى هَذَا النمط لم أرها كَذَلِك فِي شَيْء من كتب الحَدِيث، ثمَّ قَالَ الرَّافِعِيّ: وَرُوِيَ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قَالَ: «إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ تحَالفا وترادا».
قلت: وَهَذِه رِوَايَة غَرِيبَة أَيْضا لم أَجدهَا فِي شَيْء من كتب الحَدِيث بعد الْبَحْث التَّام، والرافعي تبع فِيهَا الْغَزالِيّ فَإِنَّهُ أوردهَا كَذَلِك فِي وسيطه، وَالْغَزالِيّ تبع إِمَامه فَإِنَّهُ اسْتدلَّ بهَا فِي أساليبه وَأفَاد الرَّافِعِيّ فِي كِتَابه التذنيب أَن هَذِه الرِّوَايَة لَا ذكر لَهَا فِي كتب الحَدِيث، وَإِنَّمَا تُوجد فِي كتب الْفِقْه، وَالْعجب مِنْهُ أَنه يسْتَدلّ بهَا فِي شرحيه مَعَ قَوْله هَذَا الْكَلَام. نعم التراد بِدُونِ التَّحْلِيف ورد فِي هَذَا الحَدِيث من طرق إِحْدَاهَا: عَن ابْن مَسْعُود أَنه كَانَ يحدث عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: «أَيّمَا بيعين تبَايعا فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع أَو يترادان» رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ أَنه بلغه عَن ابْن مَسْعُود... فَذكره، وَهَذَا ضَعِيف لانقطاعه.
ثَانِيهَا: عَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا: «إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ وَلَيْسَ بَينهمَا بَيِّنَة، فَالْقَوْل مَا يَقُول صَاحب السّلْعَة أَو يترادان» رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي مُسْند أَبِيه، وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا بِلَفْظ: «إِذا اخْتلف البيعان والسلعة كَمَا هِيَ. فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع أَو يترادان» وَهُوَ ضَعِيف أَيْضا لانقطاعه، فَإِن الْقَاسِم لم يدْرك جده عبد الله بن مَسْعُود، قَالَه الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته، وَعبارَة ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه: لم يسمع مِنْهُ، وَذكره التِّرْمِذِيّ فِي جامعه أَيْضا وَقَالَ: إِنَّه مُرْسل. وَابْن مَاجَه فِي سنَنه.
ثَالِثهَا: عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله بن مَسْعُود مَرْفُوعا: «البيعان إِذا اخْتلفَا فِي البيع ترادا» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه عَن مُحَمَّد بن هِشَام الْمُسْتَمْلِي، ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن صَالح، ثَنَا فُضَيْل بن عِيَاض، ثَنَا مَنْصُور، عَن عَلْقَمَة... فَذكره، وَهَذَا الطَّرِيق عِنْدِي أَقْوَى طرقه، وَلم يظفروا بهَا ومِن فُضَيْل بن عِيَاض إِلَى ابْن مَسْعُود أَئِمَّة أَعْلَام سمع بَعضهم من بعض خُصُوصا عَلْقَمَة، فَإِنَّهُ قَرَأَ الْقُرْآن عَلَى ابْن مَسْعُود، لَكِن عبد الرَّحْمَن بن صَالح نسب إِلَى الرَّفْض، وَوضع مثالب الصَّحَابَة، وَهُوَ كُوفِي عتكي، أخرج لَهُ النَّسَائِيّ فِي خَصَائِص عَلّي وَقَالَ يَحْيَى بن معِين: ثِقَة شيعي؛ لِأَن يَخِرَّ من السَّمَاء أحب إِلَيْهِ من أَن يكذب فِي نصف حرف. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق. وَقَالَ مُوسَى بن هَارُون مرّة: ثِقَة، وَكَانَ يحدث بمثالب أَزوَاج رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه وَقَالَ صَالح جزرة: صَالح إِلَّا أَنه يقْرض عُثْمَان. وَقَالَ الْبَغَوِيّ: سمعته يَقُول: أفضل- أَو خير- هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر وَعمر.
رَابِعهَا: من حَدِيث الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه قَالَ: «بَاعَ عبد الله بن مَسْعُود سبيًا من سبي الْإِمَارَة بِعشْرين ألفا- يَعْنِي من الْأَشْعَث بن قيس- فجَاء بِعشْرَة آلَاف، فَقَالَ: أَنا بِعْتُك بِعشْرين ألفا قَالَ: إِنَّمَا أخذتهم بِعشْرَة آلَاف، وَإِنِّي أَرْضَى فِي ذَلِكَ بِرَأْيِك. قَالَ ابْن مَسْعُود: إِن شِئْت حدثتك عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: أجل. قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِذا تبَايع الْمُتَبَايعَانِ بيعا لَيْسَ بَينهمَا شُهُود فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع أَو يترادان البيع. قَالَ الْأَشْعَث: فَرددت عَلَيْك».
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي سنَنه عَن أبي مُحَمَّد بن صاعد إملاءً وَغَيره قَالُوا: ثَنَا مُحَمَّد بن مُسلم بن وارة حَدَّثَني مُحَمَّد بن سعيد بن سَابق ثَنَا عَمْرو بن أبي قيس عَن عمر بن قيس عَن الْقَاسِم بِهِ، وَهَذَا إِسْنَاد جيد أَيْضا رِجَاله كلهم ثِقَات، وَابْن صاعد وَابْن وارة حَافِظَانِ. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَجَاء فِي رِوَايَة أُخْرَى: «إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ والسلعة قَائِمَة وَلَا بَيِّنَة لأَحَدهمَا تحَالفا» وَهَذِه الرِّوَايَة وَردت من طرق: إِحْدَاهَا: من طَرِيق الْقَاسِم عَن ابْن مَسْعُود وَقد سلفت قَرِيبا.
ثَانِيهَا: من طَرِيق الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا: «إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ فِي البيع والسلعة قَائِمَة كَمَا هِيَ لم تستهلك فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع أَو يترادان البيع» رَوَاهَا الطَّبَرَانِيّ فِي سنَنه وَهِي ضَعِيفَة أَيْضا؛ لِأَن فِي إسنادها مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهُوَ وَإِن كَانَ فِي الْفِقْه كَبِيرا فَهُوَ ضَعِيف فِي الرِّوَايَة لسوء حفظه وَكَثْرَة خطئه فِي الْأَسَانِيد والمتون، ومخالفته الْحفاظ فِيهَا، وَالله يغْفر لنا وَله.
ثَالِثهَا: من طَرِيق الْقَاسِم أَيْضا عَن أَبِيه قَالَ: بَاعَ عبد الله بن مَسْعُود من الْأَشْعَث رَقِيقا من رَقِيق الْإِمَارَة فاختلفا فِي الثّمن، فَقَالَ عبد الله: بِعْتُك بِعشْرين ألفا، وَقَالَ الْأَشْعَث: اشْتريت مِنْك بِعشْرَة آلَاف. فَقَالَ عبد الله: إِن شِئْت حدثتك بِحَدِيث سمعته من رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: هَات. قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: «إِذا اخْتلف البيعان وَالْمَبِيع قَائِم بِعَيْنِه وَلَيْسَ بَينهمَا بَيِّنَة فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع أَو يترادان البيع. قَالَ الْأَشْعَث: أرَى أَن ترد البيع» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي سنَنه كَذَلِك، والدارمي فِي مُسْنده بِلَفْظ: «البيعان إِذا اخْتلفَا وَالْمَبِيع قَائِم بِعَيْنِه وَلَيْسَ بَينهمَا بَيِّنَة فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع، أَو يترادان البيع».
وَرَوَاهَا أَبُو دَاوُد من حَدِيث هشيم عَن ابْن أبي لَيْلَى عَن الْقَاسِم عَن أَبِيه «أَن ابْن مَسْعُود بَاعَ من الْأَشْعَث بن قيس رَقِيقا..» فَذكر مَعْنَى حَدِيث مُحَمَّد بن الْأَشْعَث الْآتِي قَرِيبا، وَالْكَلَام يزِيد وَينْقص وَهِي ضَعِيفَة أَيْضا لأجل ابْن أبي لَيْلَى، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: خَالف الْجَمَاعَة فِي رِوَايَة هَذَا حَيْثُ قَالَ: عَن أَبِيه، وَفِي مَتنه حَيْثُ زَاد فِيهِ: «وَالْمَبِيع قَائِم بِعَيْنِه». وَهُوَ كَمَا قَالَ حَتَّى عدوا هَذِه الزِّيَادَة من غلطاته، وَقَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ: إِنَّه لَا أصل لَهَا.
رَابِعهَا: من طَرِيق الْقَاسِم أَيْضا عَن أَبِيه عَن عبد الله مَرْفُوعا: «إِذا اخْتلف البيعان فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع، فَإِذا اسْتهْلك فَالْقَوْل مَا قَالَ المُشْتَرِي» رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا وَهِي ضَعِيفَة لِأَن فِي إسنادها الْحسن بن عمَارَة رِوَايَة عَن الْقَاسِم وَهُوَ أحد الهلكى قَالَ زَكَرِيَّا السَّاجِي: أَجمعُوا عَلَى ترك حَدِيثه، نعم لم يتفرد بِهِ بل تَابعه معن بن عبد الرَّحْمَن. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث سُفْيَان عَن معن عَن الْقَاسِم وَلَفظه: «إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ والسلعة قَائِمَة بِعَينهَا فَالْقَوْل قَول البَائِع أَو يترادان» وَهَذِه طَريقَة خَامِسَة جَيِّدَة لكنه اخْتلف عَلَيْهِ فِيهَا كَمَا ستعلمه من كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ.
سادسها: من طَرِيق أبي وَائِل عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ: «إِذا اخْتلف البيعان وَالْمَبِيع مستهلك فَالْقَوْل قَول البَائِع». وَرفع الحَدِيث إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي إِسْنَاده عبد الله بن عصيم وَهُوَ ضَعِيف وَقد أعله عبد الْحق فِي أَحْكَامه بِهِ، وَتفرد شريك بِتَسْمِيَة أَبِيه عصمَة وَالصَّوَاب عصيم وَفِي بعض الرِّوَايَات الْمُنكرَة الَّتِي لَا أصل لَهَا: «والسلعة قَائِمَة أَو هالكة» وَأما قَول الْغَزالِيّ فِي كتاب المأخذ: أجمع أهل الحَدِيث عَلَى صِحَّتهَا فَهُوَ من الْعجب العجاب. فَهَذَا مَا حَضَرنَا من طرق هَذَا الحَدِيث وَاخْتِلَاف أَلْفَاظه، وَبَقِي لَهُ طرق أخر وَهُوَ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه وَابْن عدي من حَدِيث سعيد بن الْمَرْزُبَان عَن الشّعبِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بِهِ، وَهُوَ ضَعِيف أَيْضا لأجل سعيد هَذَا وَهُوَ كُوفِي أَعور مُنكر الحَدِيث كَمَا قَالَه أَحْمد وَالْبُخَارِيّ، وَخَالف أَبُو أُسَامَة فَقَالَ: كَانَ ثِقَة، فَقَالَ: لَا جرم أعله ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله فَقَالَ: إِنَّه حَدِيث لَا يَصح عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَأعله فِي تَحْقِيقه بِوَجْه آخر فَقَالَ: عبد الرَّحْمَن لم يسمع من أَبِيه فَهُوَ مُرْسل وَضَعِيف. وَتبع فِي هَذِه الْمقَالة ابْن معِين فِي أحد قوليه، لَكِن قَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ وَالثَّوْري وَشريك وَالْبُخَارِيّ وَالْأَكْثَرُونَ الْمُحَقِّقُونَ:
إِنَّه سمع مِنْهُ. وَقَالَ الْعجلِيّ: لم يسمع من أَبِيه إِلَّا حرفا وَاحِدًا «محرم الْحَلَال كمستحل الْحَرَام». وَجزم ابْن عَسَاكِر فِي أَطْرَافه بِسَمَاعِهِ مِنْهُ، وَجزم فِي أَخِيه أبي عُبَيْدَة بِأَنَّهُ لم يسمع من أَبِيه. قلت: لكنه أدْرك أَبَاهُ وَكَانَ أكبر من أَخِيه إِذْ ذَاك. قَالَ يَحْيَى الْقطَّان: مَاتَ ابْن مَسْعُود ولعَبْد الرَّحْمَن سِتّ سِنِين. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: مَاتَ ابْن مَسْعُود ولابنه أبي عُبَيْدَة سبع سِنِين. قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله: وَفِي إِسْنَاد هَذِه الطَّرِيق إِبْرَاهِيم بن مجشر بن معدان الْبَغْدَادِيّ، قَالَ ابْن عدي: لَهُ أَحَادِيث مَنَاكِير من جِهَة الْأَسَانِيد. رفع حَدِيثا لَا أعلم رَفعه غَيره «الرَّهْن محلوب ومركوب» قلت: قد توبع عَلَيْهِ كَمَا ستعلمه فِي بَابه. قلت: وَقد بَقِي للْحَدِيث طَرِيق آخر وَهُوَ أَقْوَى طرقه، وَأَقْوَى من الطَّرِيق الَّتِي قدمناها أَيْضا رَوَاهَا عبد الرَّحْمَن بن قيس بن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث بن قيس عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: قَالَ عبد الله بن مَسْعُود قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «إِذا اخْتلف البيعان وَلَيْسَ بَينهمَا بَيِّنَة فَهُوَ مَا يَقُول رب السّلْعَة أَو يتتاركا» أخرجه الْأَئِمَّة أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي سُنَنهمْ. وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. وَنقل مقَالَة الْحَاكِم هَذِه الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته، وَأقرهُ عَلَيْهَا وَقَالَ فِي سنَنه: إسنادها حسن مَوْصُول، قَالَ: وَقد رُوِيَ من أوجه بأسانيد مَرَاسِيل إِذا جمع بَينهمَا صَار الحَدِيث بذلك قويًّا. وَقَالَ فِي الْمعرفَة: إِنَّه أصح إِسْنَاد رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: فِيهِ انْقِطَاع، قَالَ: وَهُوَ حَدِيث مَحْفُوظ عَن ابْن مَسْعُود مَشْهُور الأَصْل عِنْد جمَاعَة الْعلمَاء تلقوهُ بِالْقبُولِ فبنوا عَلَيْهِ كثيرا من فروعه، قد اشْتهر عَنْهُم بالحجاز وَالْعراق شهرة يُسْتَغْنَى بهَا عَن الْإِسْنَاد كَمَا اشْتهر حَدِيث «لَا وَصِيَّة لوَارث». وَخَالف أَبُو مُحَمَّد بن حزم فأعله بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: بالانقطاع كَمَا رَمَاه بِهِ ابْن عبد الْبر، وَتَابعه عَلَيْهِ عبد الْحق فِي أَحْكَامه فَقَالَ: مُحَمَّد هَذَا لم يسمع من ابْن مَسْعُود. ثَانِيهمَا: بِأَن فِي إِسْنَاده مَجْهُولَانِ وهما عبد الرَّحْمَن بن قيس وَأَبوهُ، قَالَ: مَجْهُول بن مَجْهُول. قَالَ: وَعبد الرَّحْمَن ظَالِم من ظلمَة الْحجَّاج لَا حجَّة لَهُ فِي رِوَايَته، وَتَبعهُ عَلَى تجهيلهما ابْن الْقطَّان وَزَاد: أَن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث جدهما مَجْهُول أَيْضا. قَالَ إِلَّا أَنه أشهرهم، رَوَى عَنهُ جماعات وعددهم. وَأَقُول: أما كَونه لم يسمع مِنْهُ فَهَذِهِ دَعْوَى، فَإِن إِدْرَاكه لَهُ مُمكن قطعا؛ لِأَن عبد الله بن مَسْعُود توفّي بعد الثَّلَاثِينَ إِمَّا سنة اثْنَيْنِ كَمَا قَالَه أَبُو نعيم وَغير وَاحِد، وَإِمَّا سنة ثَلَاث كَمَا قَالَه ابْن بكير وَغَيره، وَمُحَمّد بن الْأَشْعَث قَتله الْمُخْتَار بعد السِّتين سنة سِتّ أَو سبع كَمَا قَالَه خَليفَة فَليخْرجْ عَلَى المذهبين مشهورين فِي ذَلِكَ، وَأما جَهَالَة عبد الرَّحْمَن بن قيس فَهُوَ كَمَا ادَّعَاهَا فَإنَّا لَا نعلم لَهُ رَاوِيا غير أبي العميس وَهُوَ مَسْتُور لَا نعلم من وَثَّقَهُ وَلَا من جرحه، وَأما وَالِده فحاشاه من الْجَهَالَة فقد رَوَى عَنهُ ابناه عبد الرَّحْمَن وَعُثْمَان، وَأَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ، وَرَوَى عَن جده، وَعَن عدي بن حَاتِم، وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته وَأما جده مُحَمَّد فَهُوَ تَابِعِيّ رَوَى عَن عمر وَعُثْمَان وَابْن مَسْعُود وَعَائِشَة وَرَوَى عَنهُ الشّعبِيّ وَجَمَاعَة، وَأمه أم فَرْوَة أُخْت الصّديق، وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته وَتَصْحِيح الْحَاكِم وتحسين الْبَيْهَقِيّ لَهُ رَافِعَة لجَهَالَة عبد الرَّحْمَن السالف فَإِنَّهُ لَا يحل الْإِقْدَام عَلَى التَّصْحِيح والتحسين بِدُونِ ذَلِكَ، وَأعله ابْن حزم أَيْضا بِوَجْه ثَالِث فَقَالَ: رَوَاهُ عَن عبد الرَّحْمَن أَبُو عُمَيْس وَلم يسمع أَبُو عُمَيْس مِنْهُ لتأخر سنه عَن لِقَائِه. قلت: قد صرح بِالسَّمَاعِ مِنْهُ فِي سنَن الْبَيْهَقِيّ فَفِيهِ عَن أبي عُمَيْس أَخْبرنِي عبد الرَّحْمَن. وَبِالْجُمْلَةِ وكل طرق هَذَا الحَدِيث لَا تَخْلُو من عِلّة، وَلَقَد أحسن إمامنا الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَالَ عَلَى مَا نَقله الْبَيْهَقِيّ عَن الزَّعْفَرَان عَنهُ: حَدِيث ابْن مَسْعُود وَهَذَا مُنْقَطع لَا أعلم أحدا وَصله عَنهُ.
قلت: لَكِن قد وَصله عَلْقَمَة عَنهُ كَمَا قدمْنَاهُ، وَهُوَ من الْفَوَائِد الَّتِي رَحل إِلَيْهَا وَسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ فِي علله بعد أَن ذكره السَّائِل من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن مَسْعُود عَن أَبِيه مَرْفُوعا: «إِذا اخْتلف البيعان وَلَيْسَ بَينهمَا بَيِّنَة فَالْقَوْل قَول البَائِع أَو يترادان». هَذَا حَدِيث يرويهِ الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن، وَاخْتلف عَنهُ فَرَوَاهُ عمر بن قيس عَنهُ عَن أَبِيه عَن جده، وَرَوَاهُ معن بن عبد الرَّحْمَن عَن الْقَاسِم وَاخْتلف عَنهُ فَرَوَاهُ أَبُو حُذَيْفَة عَن الثَّوْريّ عَن معن عَن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن جده. وَخَالفهُ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَأَبُو دَاوُد الْحَضْرَمِيّ وَغَيرهمَا فَرَوَوْه عَن الثَّوْريّ عَن معن عَن الْقَاسِم مُرْسلا عَن ابْن مَسْعُود، وَرَوَاهُ أَبُو حنيفَة عَن الْقَاسِم بِهِ وَرَوَاهُ ابْن أبي لَيْلَى عَن الْقَاسِم وَاخْتلف عَنهُ فَرَوَاهُ مُوسَى بن عقبَة عَنهُ عَن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن جده وَزَاد فِيهِ لَفْظَة لم يَأْتِ بهَا غَيره قَالَ: «والسلعة قَائِمَة كَمَا هِيَ» وَخَالف هشيم فَرَوَاهُ عَن ابْن أبي لَيْلَى عَن الْقَاسِم عَن ابْن مَسْعُود مُرْسلا، قَالَ ذَلِكَ أَحْمد بن حَنْبَل وَسَعِيد بن مَنْصُور عَن هشيم. وَقيل: عَن هشيم عَن ابْن أبي لَيْلَى عَن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن جده، وَرَوَاهُ أبان بن تغلب وَعبد الرَّحْمَن المَسْعُودِيّ عَن الْقَاسِم عَن ابْن مَسْعُود مُرْسلا قَالَ: وَالْمَحْفُوظ هُوَ الْمُرْسل. تَنْبِيه: عزى الرَّافِعِيّ فِي تذنيبه طَرِيق «أَو يتتاركا» الْأَخِيرَة إِلَى أبي دَاوُد فَقَالَ: رَوَاهَا مطرف عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا وَهَذَا لَيْسَ فِي أبي دَاوُد وَالَّذِي فِيهِ رِوَايَته لَهُ عَن حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن قيس عَن أَبِيه عَن جده. وَمن حَدِيث ابْن أبي لَيْلَى عَن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن جده كَمَا سلف أَيْضا فَتنبه لذَلِك.

.كتاب السّلم:

كتاب السَّلم:
ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَادِيث وآثارًا:

.أما الْأَحَادِيث:

فَثَلَاثَة:

.أَحدهَا:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قدم الْمَدِينَة وهم يسلفون فِي التَّمْر السّنة والسنتين- وَرُبمَا قَالَ: وَالثَّلَاث- فَقَالَ: من أسلف فليسلف فِي كيل مَعْلُوم وَوزن مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْمُخْتَصر عَن سُفْيَان عَن ابْن أبي نجيح عَن عبد الله قَالَ الْمُزنِيّ: أَحْسبهُ ابْن كثير عَن أبي الْمنْهَال عَن ابْن عَبَّاس عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم... فَذكره سَوَاء، إِلَّا أَنه قَالَ: «السّنة وَرُبمَا قَالَ السنتين وَالثَّلَاث» وَقَالَ: «وَأجل مَعْلُوم» وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْأُم بِهَذَا السَّنَد وَقَالَ عَن عبد الله بن كثير، وَقَالَ: «السّنة والسنتين وَرُبمَا قَالَ: والسنتين، وَالثَّلَاث» وَالْبَاقِي بِمثلِهِ، ثمَّ قَالَ: حفظته كَمَا وَصفته من سُفْيَان مرَارًا. قَالَ: وَأَخْبرنِي من أصدقه عَن سُفْيَان أَنه قَالَ كَمَا قلت، وَقَالَ فِي الْأَجَل «إِلَى أجل مَعْلُوم» وَأخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث سُفْيَان وقَالَا فِي الحَدِيث: «إِلَى أجل مَعْلُوم» وَأَخْرَجَاهُ من غير هَذَا الْوَجْه أَيْضا كَمَا ذكرته فِي تخريجي لأحاديث الْوَسِيط.

.الحديث الثَّانِي:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم اشْتَرَى من يَهُودِيّ إِلَى ميسرَة».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث عَمْرو بن عَلّي وَهُوَ الفلاس، ثَنَا يزِيد بن زُرَيْع، ثَنَا عمَارَة بن أبي حَفْصَة، ثَنَا عِكْرِمَة، عَن عَائِشَة قَالَت: «كَانَ عَلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَوْبَان قطريان غليظان فَكَانَ إِذا قعد فعرق ثقلا عَلَيْهِ، فَقدم بز من الشَّام لفُلَان الْيَهُودِيّ فَقلت لَو بعثت إِلَيْهِ فاشتريت مِنْهُ ثَوْبَيْنِ إِلَى الميسرة فَأرْسل إِلَيْهِ فَقَالَ: قد علمت مَا يُرِيد إِنَّمَا يُرِيد أَن يذهب بِمَالي أَو بدراهمي. فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: كذب عليَّ قد علم أَنِّي من أَتْقَاهُم وأدَّاهم للأمانة» قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حسن صَحِيح غَرِيب. قَالَ: وَقد رَوَاهُ شُعْبَة أَيْضا عَن عمَارَة بن أبي حَفْصَة. قَالَ: وَسمعت مُحَمَّد بن فَارس الْبَصْرِيّ يَقُول: سَمِعت أَبَا دَاوُد الطَّيَالِسِيّ يَقُول: سُئِلَ شُعْبَة يَوْمًا عَن هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: لست أحدثكُم حَتَّى تقوموا إِلَى حرمي بن عمَارَة بن أبي حَفْصَة لتقبلوا رَأسه. قَالَ: وحرمي فِي الْقَوْم، قَالُوا أَبُو عِيسَى: أيْ إعجابًا بِهَذَا الحَدِيث. وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث يزِيد بن زُرَيْع أَيْضا، عَن عمَارَة بن أبي حَفْصَة، عَن عِكْرِمَة، عَن عَائِشَة قَالَت: «كَانَ عَلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بردَان قطريان غليظان خشنان، فَقلت: يَا رَسُول الله، إِن ثوبيك خشنان غليظان وَإنَّك ترشح فيهمَا فيثقلان عَلَيْك، وَإِن فلَانا قدم لَهُ بزٌ من الشَّام فَلَو بقيت إِلَيْهِ فَأخذت مِنْهُ ثَوْبَيْنِ بنسيئة إِلَى ميسرَة، فَأرْسل إِلَيْهِ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: قد علمت مَا يُرِيد مُحَمَّد يُرِيد أَن يذهب بثوبي ويمطلني بهما. فَأَتَى الرَّسُول إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأخْبرهُ، فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: قد كذب. قد علمُوا أَنِّي أَتْقَاهُم لله وأدَّاهم للأمانة» ثمَّ قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ. قَالَ: وَقد رُوِيَ عَن شُعْبَة، عَن عمَارَة مُخْتَصرا. ثمَّ سَاقه إِلَى عمَارَة، عَن عِكْرِمَة، عَن عَائِشَة قَالَت: «قلت: يَا رَسُول الله، ثوباك غليظان فَلَو نزعتهما وَبعثت إِلَى فلَان التَّاجِر فَأرْسل إِلَيْك ثَوْبَيْنِ إِلَى الميسرة، قَالَت: فَأرْسل إِلَيْهِ: ابْعَثْ لي ثَوْبَيْنِ إِلَى الميسرة. فَأَبَى» وَلما رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي دَاوُد عَن شُعْبَة، عَن عمَارَة بن أبي حَفْصَة، عَن عِكْرِمَة، قَالَ: قَالَت عَائِشَة: «قدم تَاجر بمتاع، فَقلت: يَا رَسُول الله، إِذا ألقيت هذَيْن الثَّوْبَيْنِ الغليظين عَنْك وَأرْسلت إِلَى فلَان التَّاجِر فباعك ثَوْبَيْنِ إِلَى الميسرة. فَبعث النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَن أرسل إليَّ ثَوْبَيْنِ إِلَى الميسرة. فَقَالَ: إِن مُحَمَّدًا يُرِيد أَن يذهب بِمَالي. فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ: وَالله لقد علمُوا أَنِّي أدّاهم للأمانة وأخشاهم لله» وَنَحْو هَذَا. قَالَ: هَذَا مَحْمُول عَلَى أَنه استدعى البيع إِلَى الميسرة لَا أَنه عقد إِلَيْهَا بيعا ثمَّ لَو أَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ أشبه أَن يُوَقت وقتا مَعْلُوما أَو يعْقد البيع مُطلقًا ثمَّ يَقْضِيه مَتى أيسر. وَحَكَى ابْن الصّباغ فِي شامله عَن ابْن الْمُنْذر أَنه قَالَ: رَوَاهُ حرمي عَن شُعْبَة. قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: حرمي فِيهِ غَفلَة إِلَّا أَنه صَدُوق. قَالَ ابْن الْمُنْذر: وَلم يُتَابع عَلَيْهِ فَأَخَاف أَن يكون من غفلاته. قلت: رِوَايَة حرمي لَهُ لم نرها فِي الحَدِيث وَإِنَّمَا وَقع ذكره فِي كَلَام التِّرْمِذِيّ فِي الْحِكَايَة السالفة، وَإِنَّمَا رَوَاهُ وَالِده كَمَا أسلفناه فَتنبه لذَلِك، وَلِلْحَدِيثِ طَرِيق آخر من حَدِيث أنس رَضي اللهُ عَنهُ شَاهد لحَدِيث عَائِشَة لَكِن فِيهِ أَنه نَصْرَانِيّ لَا يَهُودِيّ، قَالَ أَحْمد فِي مُسْنده ثَنَا مُحَمَّد بن يزِيد، ثَنَا أَبُو سَلمَة- صَاحب الطَّعَام- قَالَ: أَخْبرنِي جَابر بن يزِيد- وَلَيْسَ بالجعفي- عَن الرّبيع بن أنس، عَن أنس قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى حليق النَّصْرَانِي يبْعَث إِلَيْهِ بأثواب إِلَى الميسرة، فَأَتَيْته فَقلت: بَعَثَنِي إِلَيْك رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لتبعث إِلَيْهِ أثوابًا إِلَى الميسرة فَقَالَ: وَمَا الميسرة؟ وَمَتى الميسرة؟ وَالله مَا لمُحَمد ثاغية وَلَا راغية. فَرَجَعت فَأتيت النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: كذب عَدو الله، أَنا خير من بَايع، لِأَن يلبس أحدكُم ثوبا من رقاع شَتَّى خير لَهُ من أَن يَأْخُذ بأمانته- أَو فِي أَمَانَته- مَا لَيْسَ عَنهُ».
ثاغية من أصوات الشَّاء، وراغية من أصوات الْإِبِل، قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامع المسانيد وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم سَأَلت أبي عَن حَدِيث نصر بن عَلّي عَن سُلَيْمَان بن سليم عَن جَابر بن يزِيد عَن سُفْيَان الزيات عَن الرّبيع بن أنس عَن أنس «أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم استسلف من رجل من الْيَهُود شَيْئا إِلَى الميسرة، فَقَالَ الْيَهُودِيّ: وَهل لمُحَمد من ميسرَة؟ فَأتيت النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَخْبَرته فَقَالَ: كذب الْيَهُودِيّ....» ثمَّ سَاق بَاقِي الحَدِيث، فَقَالَ: هَذَا حَدِيث مُنكر، وَسليمَان وسُفْيَان مَجْهُولَانِ.

.الحديث الثَّالِث:

عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ رَضي اللهُ عَنهما قَالَ: «أَمرنِي رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن أَشْتَرِي لَهُ بَعِيرًا ببعيرين إِلَى أجل».
هَذَا الحَدِيث سلف الْكَلَام عَلَيْهِ وَاضحا فِي بَاب الرِّبَا. بِهِ انْتَهَى الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب.

.وَأما آثاره:

فَأَرْبَعَة:

.أَحدهَا:

عَن ابْن عَبَّاس رَضي اللهُ عَنهما أَنه قَالَ «فِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا تداينتم بدين إِلَى أجل مُسَمَّى} أَنه السّلم».
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بِإِسْنَاد الصَّحِيح من حَدِيث شُعْبَة عَن قَتَادَة، عَن أبي حسان الْأَعْرَج، عَنهُ أَنه قَالَ: أشهد أَن السّلف الْمَضْمُون إِلَى أجل مُسَمَّى أَن الله- عَزَّ وجَلَّ- أحله، وَأذن فِيهِ، وَقَرَأَ هَذِه الْآيَة {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا تداينتم بدين إِلَى أجل مُسَمَّى} وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث أبي حَيَّان عَن رجل، عَنهُ قَالَ: فِي هَذِه الْآيَة {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا تداينتم} قَالَ: «فِي الْحِنْطَة فِي كيلٍ مَعْلُوم» وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه بِلَفْظ أَن ابْن عَبَّاس سُئِلَ عَن السّلف فَقَالَ: أشهد أَن الله أحله وَأنزل فِيهِ أطول آيَة فِي كتاب الله {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا تداينتم} الْآيَة.